علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

184

ثمرات الأوراق

غد ، وقت الفجر . فعدت إلى مالك ، فقلت له : خرجت من مكّة في طلب العلم بغير استئذان العجوز ، أفأعود إليها أو أرحل في طلب العلم ؟ فقال لي : العلم فائدة يرجع منها إلى فائدة ، ألم تعلم أنّ الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلبه ؟ قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فلمّا أزمعت على السّفر زوّدني الإمام مالك رضي اللّه عنه ، فلمّا كان في السّحر ، سار معي مشيّعا إلى البقيع ، ثمّ صاح بعلوّ صوته : من يكري راحلته إلى الكوفة ؟ فأقبلت عليه ، وقلت : بم تكتري ، وليس معك ولا معي شيء ؟ فقال لي : انصرفت البارحة بعد صلاة العشاء الآخرة إذ قرع عليّ قارع ، فخرجت إليه فأصبت ابن القاسم ، فسألني قبول هديّته فقبلتها ، فدفع إليّ صرّة فيها مائة دينار ، وقد أتيتك بنصفها ، وجعلت النّصف لعيالي . فاكترى لي بأربعة دنانير ، ودفع إليّ باقي الدّنانير ، وودّعني وانصرف ، وصرت في جملة الحاجّ حتى وصلت إلى الكوفة يوم رابع عشرين من المدينة ، فدخلت المسجد بعد صلاة العصر ، وصليت العصر ، فبينما أنا كذلك إذ رأيت غلاما قد دخل المسجد ، وصلّى العصر فما أحسن الصلاة ، فقمت إليه ناصحا ، فقلت له : أحسن صلاتك لئلّا يعذّب اللّه هذا الوجه الجميل بالنّار . فقال لي : أنا أظنّ أنّك من أهل الحجاز ؛ لأنّ فيكم الغلظة والجفاء ، وليس فيكم رقّة أهل العراق ، وأنا أصلّي هذه الصّلاة خمس عشرة سنة بين يدي محمد بن الحسن وأبي يوسف ، فما عابا عليّ صلاتي قطّ ، وخرج معجبا ينفض رداءه في وجهي . فلقي للتّوفيق محمد بن الحسن وأبا يوسف بباب المسجد ، فقال : أعلمتما في صلاتي من عيب ؟ فقالا : اللّهمّ لا . قال : ففي مسجدنا هذا من عاب صلاتي ، فقالا : اذهب إليه ، فقل له : بم تدخل الصّلاة ؟ قال الشّافعيّ رضي اللّه عنه فقال لي : يا من عاب صلاتي ، بم تدخل في الصّلاة ؟ فقلت : بفرضين وسنّة . فعاد إليهما ، وأعلمهما بالجواب . فعلما أنّه جواب من نظر في العلم . فقالا : اذهب إليه ، فقل له : ما الفرضان وما السّنّة ؟ فأتى إليّ فقال : ما الفرضان وما السّنّة ؟ فقلت له : أمّا الفرض الأوّل فالنّيّة ، والثاني تكبيرة الإحرام ، والسّنّة رفع اليدين . فعاد إليهما فأعلمهما بذلك ، فدخلا إلى المسجد ، فلمّا نظرا إليّ أظنّهما ازدرياني ، فجلسا ناحية وقالا : اذهب إليه ، وقل له : أجب الشّيخين . قال الشافعيّ : فلمّا أتاني علمت أنّي مسؤول عن شيء من العلم ، فقلت : من حكم العلم أن يؤتى إليه ، وما علمت لي إليهما حاجة . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فقاما من مجلسهما إليّ ، فلمّا سلّما عليّ قمت إليهما ، وأظهرت البشاشة لهما ، وجلست بين يديهما ، فأقبل عليّ محمد بن الحسن ، قال : أحرميّ أنت ؟ فقلت : نعم ، فقال : أعربيّ أم مولى ؟ فقلت : عربيّ ، فقال : من